Monday, April 20, 2009

قراءة في زيارة محمود عباس لحكومة الإقليم الكردي

قراءة في زيارة محمود عباس لحكومة الإقليم الكردي

كتابات : علي الحمــداني

ثمة أسئلة كثيرة تطرحها الزيارة التي قام بها السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله الى السيد مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان في الشمال العراقي . كما أن هناك ثمة حقائق وثوابت تاريخية ومعاصرة لايمكن إغفالها تدخل في حسابات مثل هذه الزيارة التي قد تكون قد أثارت علامات إستفهام لدى البعض ولكنها ومن المنظور الدقيق في تحليلها تصبح أكثر وضوحاً وتفهماً ، بل وأمر طبيعي متوقع في الخطوات المحسوبة في سير الخطط السياسية في المنطقة عموماً وفي العراق خصوصاً .

ولنبدأ من الحقائق التاريخية والمعاصرة قبل ان نصل ونتوقف عند مدلولات الزيارة ذاتها .

ـ من المعروف والموثّق أن علاقات قوية ربطت بين الحكومات الإسرائيلية المختلفة وأجهزتها الأمنية والعسكرية وبين القيادة الكردية في شمال
العراق على مدى أكثر من نصف قرن من الزمن تضمنت زيارات متبادلة بين الملا مصطفى البرزاني وزعماء إسرائيل الأوائل من أمثال ليفي
أشكول ومناحيم بيغن وغولدا مائير وموشي دايان وغيرهم ، حيث زار البرزاني إسرائيل أكثر من مرة والتقى بهم مع وفد من المقربين منه في القيادة الكردية مثل محمود عثمان وعزيز عقراوي وغيرهم . بالمقابل قامت عدة وفود إسرائيلية من الموساد والعسكريين الإسرائيليين بزيارات للمنطقة الكردية . هذا كله تم نشره وبالصور ولم يتم إنكاره من قبل القيادات الكردية.

ـ من المعروف والمؤكد من أكثر من جهة هو الوجود الإسرائيلي الإستخباراتي والعسكري وتدريب قوات البيشمركة منذ فترة طويلة في المناطق
الشمالية من العراق ، وأصبح هذا النشاط أكثر كثافة ووضوحاً منذ عام 1991 عندما تم فرض الحصار على العراق .

ـ لايزال الوجود الإسرائيلي فاعلاً ونشطاً ضمن حكومة إقليم كردستان في كافة جوانبه بما فيها تلك الإقتصادية منها .

ـ كانت الأرض الكردية نقطة لقاء وتجمع مجموعات معارضة النظام السابق التي يرتبط أغلبها بنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية والذي كان يتم بإشراف إمريكي إسرائيلي وضيافة مسعود البرزاني وجلال الطالباني ، ومنها كما هو معروف مؤتمر صلاح الدين الشهير .

ـ منذ سبعينات القرن الماضي وماقبلها كان هناك دعم عسكري ولوجستي من قبل إيران الشاه للقيادة الكردية في شمال العراق في تمردها العسكري
على حكومات المركز في بغداد ، ومن المعروف للجميع عمق العلاقات التي كانت تربط الشاه بأميركا وإسرائيل بالذات.

ـ إستناداً الى كل هذه المعطيات ، فإن العلاقة بين القيادة الكردية والقيادة الفلسطينية لم يكن لها وجود أصلاً ولا حتى من قبيل الدعم المعنوي أو
الإعلامي وحتى لغرض الإستهلاك المحلي وذلك منذ قيام إسرائيل ونشوء الكفاح الفلسطيني المسلح وحتى يومنا هذا .

يقول هنري كيسنجر ، في الفصل الثالث من مذكراته ( سنوات التجديد ) الصادرة عام 1999 وهو يتحدث عن أبعاد العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية ـ الكردية في فترة السبعينات من القرن الماضي مايلي : ( إن حماية الأكراد كان يتطلب تدخلات وإرتباطات أمريكية كبيرة ومعقدة في وقت كانت علاقة الشرق بالغرب تسوء وتضعف ، كما أن محادثات السلام الإسرائيلية العربية لم تكن تسير بشكل جيد ، وكانت إدارة نيكسون تحت النار من معارضيها بسبب حرب فيتنام والمشاكل الداخلية .. ولكن دعم الأكراد كان علينا أن يوزن بالقياس الى أهمية موقعهم الجغرافي في المنطقة العربية وكذلك تركيا وإيران .)

إذن هو إعتراف ضمني ومنذ قرابة أربعين عاماً من أحد صناع القرار الأمريكي ، وهو اليهودي الصهيوني ، أولاً بحماية الأكراد ، إستناداً الى أهمية موقعهم الجغرافي المتاخم لسوريا وإيران وتركيا ، أي بكلمة أخرى وبالمفهوم السياسي القائم على المصلحة الأمريكية ـ الإسرائيلية أنهم ، أي الأكراد ، ورقة اللعب المهمة ووسيلة الضغط الفاعلة عند الحاجة اليها .. وثانياً تأييده لفكرة دعم الأكراد وأهمية ذلك ، والدعم هنا لاشك قد ظهر جلياً في تلك الحقبة من قبل إيران الشاه وإسرائيل .. ولاحقاً من قبل السياسة الأمريكية في المنطقة والتواجد الإسرائيلي في المنطقة الكردية في شمال العراق وحتى يومنا هذا .

بشكل سريع ، ومن خلال هذه الثوابت والحقائق التاريخية ، تظهر لنا غرابة زيارة رئيس السلطة الفلسطينية لإقليم هو حاضن لنفوذ إسرائيلي وإيراني ويقع ضمن بلد محتل أمريكياً وتحت الهيمنة الإيرانية بشكل أو بآخر .
هذا تساؤل يتضاءل أمامه التساؤل الذي طُرح عند زيارة قادة حماس وعلى رأسهم خالد مشعل الى إيران ! ومن غير المعقول ، أن يكون شخص مثل خالد مشعل من السذاجة بحيث لايعرف خلفيات التعاون الإيراني ـ الأمريكي في إحتلال العراق وهو ماصدر عن قيادات إيرانية عالية ، أو يجهل أن مجازر غزة تمت بمباركة أمريكا نفسها وهي التي تحتل العراق وتدير شؤونه وفق أجندة سرية وعلنية مع النظام الإيراني !
التباعد بين السلطة الفلسطينية برئاسة عباس ، وحركة حماس قائم لدرجة الصراع .. والتعاون بين سلطة إقليم كردستان وإيران قائم وكما هو بين سلطة بغداد وإيران .. فهل نحن هنا أمام عملية توزيع أدوار لمرحلة قادمة تلعب فيها السلطة الفلسطينية الدور نيابة عن إسرائيل كما تلعبه سلطة الإقليم الكردي ؟

تساؤل آخر ، تكتنفه الغرابة أيضاً .. وهو أن محمود عباس كان قبل أيام وفي الخامس من الشهر الحالي في زيارة لحكومة بغداد ، ومن المنطقي والعملي ، أن تتضمن تلك الزيارة الرسمية ، زيارة الى أربيل لمقابلة مسعود البرزاني ! ولكن الذي حدث أن عاد عباس الى رام الله ، ليسافر يوم الأثنين في زيارة خاصة ( لأول رئيس عربي ) الى إقليم ( كردستان ) !! ولقد إلتفت النائب عن التحالف الكردستاني والقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني محسن السعدون الى هذه الفجوة محاولاً سدها بالقول : أن زيارة عباس كانت مقررة في جدول زيارته الى العراق مطلع الشهر الحالي ، لكن إرتباطاته الخارجية حالت دون ذلك ( !!) ..
فهل يمكن إعتبار هذه الزيارة بمثابة عملية لوي ذراع لحكومة المالكي الذي تزداد خلافاته مع التحالف الكردستاني إتساعاً ؟؟ أم أن العمل من قبل إدارة أوباما من خلال ضغوطه على رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نتنياهو لإقامة دولة فلسطينية وقرب زيارة الأخير الى واشنطن وموافقته على ذلك ستجد المبرر لأول عملية إنفصال كردي عن العراق ..؟ أو ربما هي فقط رسالة تحذيرية أرادت الحكومة الإسرائيلية أن تبعثها الى رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أوردغان بأن يأخذ الدور الإسرائيلي في المنطقة بجدية أكبر ..؟

كذلك هناك تساؤل ثالث ، وهو إتفاق مسعود البرزاني مع محمود عباس على توطين 11 ألف لاجئ فلسطيني من أنحاء العراق العربي في المنطقة الكردية كدفعة أولى .. وماذا يمكن أن يعني ذلك ؟
هل هو كرددة اللاجئين الفلسطينيين في العراق وزيادة الأرقام الإحصائية للسكان في الإقليم الكردي ..؟
هل هو توطين نهائي لهم ينهي حلم العودة للاجئين الفلسطينيين والذي ترفضه إسرائيل في كافة أجندة مفاوضاتها مع القيادات الفلسطينية وعلى كافة المستويات ..؟
وهل على عباس أن يلعب هذا الدور نيابة عن إسرائيل لكي تمنح له مساحات محددة من الأرض الفلسطينية لإقامة دولة بزعامته ..؟
أم أن إزاحة الفلسطينيين من مناطق العراق وهم العرب السنة والمتهمين بتأييد نظام صدام حسين ، هو عملية تنظيف يتطلبها تعبيد الطريق الفارسي الطائفي داخل العراق العربي ..؟ وقد تكفل البرزاني بذلك !! وبعد زيارات القيادات الإيرانية للعراق ، وتتويجها بدعوة جلال الطالباني الرئيس الكردي لجمهورية العراق ( لنعمة من الله) هاشمي رافسنجاني لإستقباله في بغداد بحفاوة مابعدها حفاوة ..!!

مهما تكن الأسباب والنتائج .. ومهما تكن الدوافع والمبررات .. فإن القول بأن القيادة الكردية المرتبطة عضوياً ومصيرياً وتاريخياً بالتأييد الإسرائيلي قد أصبحت فجأة حليفة للشعب الفلسطيني سوف لن يكون إلا محض هراء لايُصدقه حتى المجنون .
ومَن يريد أن يغمض عينيه عن أحداث الواقع عليه أن لاينسى أحداث التاريخ .. ومن نسي أو تناسى التاريخ فهاهي أحداث الواقع تصرخ في وجهه وعليه أن لاينسى أن هناك مشروعا صهيونياً لايزال قيد التنفيذ بأيدٍ رسمية عراقية وإقليمية مبنيٌ على إعادة رسم معاهدة سايكس ـ بيكو بعد قرابة مائة عام على توقيعها وتحت مسمىً حديث هو ( مشروع الشرق الأوسط الجديد ) .

lalhamdani@rocketmail.com





·

No comments: